الآلوسي
5
تفسير الآلوسي
يعنى بها ما أشرنا إليه ، والآية المذكورة كما روي عن الكلبي نزلت في أسد . وعطفان ، والعبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب . * ( وَأَجْدَرُ ) * أي أحق وأخلق ، وهو على ما قال الطبرسي مأخوذ من جدر الحائط بسكون الدال وهو أصله وأساسه ويتعدى بالباء فقوله تعالى : * ( أَلاَّ يَعْلَمُوا ) * بتقدير بأن لا يعلموا * ( حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُوله ) * وهي كما أخرج أبو الشيخ عن الضحاك الفرائض وما أمروا به من الجهاد ، وأدرج بعضهم السنن في الحدود ، والمشهور أنها تخص الفرائض ، أو الأوامر والنواهي لقوله تعالى : * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * ( البقرة : 229 ) و * ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) * ( البقرة : 187 ) ، ولعل ذلك من باب التغليب ولا بعد فيه فإن الأعراب أجدر أن لا يعلموا كل ذلك لبعدهم عمن يقتبس منه ، وقيل : المراد منها بقرينة المقام وعيده تعالى على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، وقيل : مقادير التكاليف . * ( وَاللَّهُ عَليمٌ ) * يعلم أحوال كل من أهل الوبر والمدر * ( حَكيمٌ ) * بما سيصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب والثواب . * ( وَمِنَ الاَْعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * * ( وَمنَ الأَعْرَاب ) * أي من جنسهم الذي نعت بنعت بعض أفراده . وقيل : من الفريق المذكور * ( مَنْ يتَّخذُ ) * أي يعد * ( مَا يُنْفقُ ) * أي يصرفه في سبيل الله تعالى ويتصدق به كما يقتضيه المقام * ( مَغْرَماً ) * أي غرامة وخسراناً من الغرا بمعنى الهلاك ، وقيل : من الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير جناية ، وأصله من الملازمة ومنه قيل لكل من المتداينين غريم ، وإنما أعدوه كذلك لأنهم لا ينفقونه احتساباً ورجاء لثواب الله تعالى ليكون لهم مغنما وإنما ينفقونه تقية ورئاء الناس فيكون غرامة محضة ، وما في صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعني كونها غرامة * ( وَيَتَرَبَّصُ بكُمُ الدَّوَائرَ ) * أي ينتظر بكم نوب الدهر ومصائبه التي تحيط بالمرء لينقلب بها أمركم ويتبدل بها حالكم فيتخلص مما ابتلي به * ( عَلَيْهمْ دَائرَةُ السَّوْء ) * دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به ، وهو اعتراض بين كلامين كما في قوله تعالى : * ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) * ( المائدة : 64 ) الخ ، وجوز أن تكون الجملة اخباراً عن وقوع ما يتربصون به عليهم ، والدائرة اسم للنائبة وهي في الأصل مصدر كالعافية والكاذبة أو اسم فاعل من دار يدور وقدم تمام الكلام عليها ، و * ( السوء ) * في الأصل مصدر أيضاً ثم أطلق على كل ضرر وشر وقد كان وصفاً للدائرة ثم أضيفت إليه فالإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته كما في قولك : رجل صدق وفيه من المبالغة ما فيه ، وعلى ذلك قوله تعالى : * ( ما كان أبوك امرأ سوء ) * ( مريم : 28 ) وقيل : معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فالإضافة للبيان والتأكيد كما قالوا : شمس النهار والحيا رأسه . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو * ( السوء ) * هنا وفي ثانية الفتح بالضم وهو حينئذ اسم بمعنى العذاب وليس بمصدر كالمفتوح وبذلك فورق الفراء بينهما : وقال أبو البقاء : السوء بالضم الضرر وهو مصدر في الحقيقة يقال : سؤته سوءا ومساءة ومسائية وبالفتح الفساد والرداءة ، وكأنه يقول بمصدرية كل منهما في الحقيقة كما فهمه الشهاب من كلامه ، وقال مكي : المفتوح معناه الفساد والمضمون معناه الهزيمة والضرر وظاهره كما قيل إنهما اسمان * ( وَاللَّهُ سَميعٌ ) * بمقالاتهم الشنيعة عند الانفاق * ( عَليمٌ ) * بنياتهم الفاسدة التي من جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر ، وفيه من شدة الوعيد